المسعودي

116

مروج الذهب ومعادن الجوهر

والنكاية في حروبهم ، فجعلهم أصحاب الأعمدة الذهب ، كل عمود منها فيه ألف مثقال من الذهب ، ثم يليهم في اللباس والغنى فوج ثان هم أصحاب الأعمدة الفضة ، فإذا كان في الأعياد ، أو في الأيام التي يحتاج فيها إلى مباهاة الأعداء والاحتفال ، دفع إليهم تلك الأعمدة ، وإنما ضربت هذه الأعمدة عدة للنوائب . وسئل بعض ثقاته ، ممن ينظر حاله ، عن اشتغاله في خلواته ، وعن مجالسته مع أهل بطانته ، وهل يسمر ( 1 ) مع أحد أو يجالسه ، فذكر انه لا يطلع احداً على سره ، ولا يعرف أحد بتدبيره وعزمه ، وأكثر نهاره خالياً بنفسه يفكر فيما يريده ، ويظهر غير ما يضمره ، ولا يشرك احداً فيما يدبره ( 2 ) برأي ولا غيره ، وإن تفرجه واشتغاله بغلمان صغار يتخذهم ، ويؤدبهم ويخرِّجهم ، ويدعوهم ، ويدفع لهم ما قد عمله لهم من السيور ، يتضاربون بها بين يديه ، ففي هذا أكثر شغله إذا فرغ من تدبيره . ولما واقع الصفار الحسن بن زيد الحسني بطبرستان - وذلك في سنة ستين ومائتين ، وقيل : نسنة تسع وخمسين ومائتين - وانكشف الحسن بن زيد وأمعن يعقوب في الطلب ، وكانت معه رسل السلطان قد قصدوه بكتب ورسالة من المعتمد ، وهم راجعون من طلب الحسن بن زيد ، قال له بعضهم لما رأى من طاعة رجاله وما كان منهم في تلك الحرب : ما رأيت أيها الأمير كاليوم ، قال له الصفار : وأعجب منه ما أريك إياه ، ثم قربوا من الموضع الذي كان فيه عسكر الحسن بن زيد ، فوجدوا البدر والكراع والسلاح والعدد ، وجميع ما خلف في العسكر حين الهزيمة على حاله : لم ( 3 ) يلتبس أحد من أصحابه منه بشيء ، ولا دنوا اليه ، معسكرين بالقرب منه بحيث يرونه بالموضع الذي خلفهم فيه الصفار : فقال له الرسول : هذه سياسة ورياضة راضهم الأمير بها إلى أن تأتى له منهم ما اراده .

--> ( 1 ) في نسخة : وهل يسير . ( 2 ) في نسخة : فيما يريده . ( 3 ) في نسخة : لم يتلبس .